ابن أبي الحديد

82

شرح نهج البلاغة

حينئذ ، وإنما تمكن أبو طالب من المحاماة عنه بالثبات في الظاهر على دين قريش وإن أبطن الاسلام ، كما لو إن إنسانا كان يبطن التشيع مثلا ، وهو في بلد من بلاد الكرامية ، وله في ذلك البلد وجاهه وقدم ، وهو يظهر مذهب الكرامية ، ويحفظ ناموسه بينهم بذلك ، وكان في ذلك البلد نفر يسير من الشيعة لا يزالون ينالون بالأذى والضرر من أهل ذلك البلد ورؤسائه ، فإنه ما دام قادرا على إظهار مذهب أهل البلد ، يكون أشد تمكنا من المدافعة والمحاماة عن أولئك النفر ، فلو أظهر ما يجوز من التشيع ، وكاشف أهل البلد بذلك ، صار حكمه حكم واحد من أولئك النفر ، ولحقه من الأذى والضرر ما يلحقهم ، ولم يتمكن من الدفاع أحيانا عنهم كما كان أولا . قلت فإما أنا فإن الحال ملتبسه عندي ، والاخبار متعارضة ، والله أعلم بحقيقة حاله كيف كانت ( 1 ) . ويقف صدري رسالة النفس الزكية ( 2 ) إلى المنصور ، وقوله فيها ( فأنا ابن خير الأخيار ، وأنا ابن شر الأشرار ، وأنا ابن سيد أهل الجنة ، وأنا ابن سيد أهل النار ) . فإن هذه شهادة منه على أبى طالب بالكفر ، وهو ابنه وغير متهم عليه ، وعهده قريب من عهد النبي صلى الله عليه وآله ، لم يطل الزمان فيكون الخبر مفتعلا . وجملة الامر أنه قد روى في إسلامه أخبار كثيرة ، وروى في موته على دين قومه أخبار كثيرة ، فتعارض الجرح والتعديل ، فكان كتعارض البينتين عند الحاكم ، وذلك يقتضى التوقف ، فأنا في أمره من المتوقفين .

--> ( 1 ) وضع الشيخ المفيد رسالة في ايمان أبي طالب ، طبعت في مجموعة نفائس المخطوطات ، العدد الثالث من المجموعة الأولى . طبعت في النجف سنة 1956 . ( 2 ) هو محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، والملقب بالأرقط وبالمهدي وبالنفس الزكية ، خرج على المنصور ثائرا لمقتل أبيه بالكوفة في مائتين وخمسين رجلا ، فقبض على أمير المدينة ، وبايعه أهلها فانتدب المنصور لقتاله ولي عهده عيسى بن موسى ، فسار إليه ، وانتهى الامر بمقتله سنة 145 . ( مقاتل الطالبيين 232 ) .